سعيد عطية علي مطاوع

230

الاعجاز القصصي في القرآن

تاسعا : الإعجاز البياني في القصة : أن المتأمل في بناء القصة يجد أن التلازم بين أحداثها ومواقفها ومحورها ، ليس هو مظهر الإحكام والتناسق في البناء القصصي فحسب ، بل يجد أن من ذلك - كذلك - التلاؤم بين الأحداث والمواقف وبين العبارات البيانية ، فالعبارة القرآنية تؤدي في ذلك المجال دورا مهما ، بحيث لا تنفصل عبارة واحدة عن موقعها ، فهي بمعناها وإيماءاتها وظلالها كيان حيّ في جسم القصة النابض : 1 - نلمس ذلك في نداء يوسف أباه في مبتدأ القصة حيث كان غلاما صغيرا ، بقوله : يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا . . . " وفي خاتمة القصة حيث كان رجلا مكتملا مسؤولا بقوله : " يا أبت هذا تأويل رؤياي . . . " فالتاء توحي بتعلق يوسف بأبيه ، وما يكنّه له من حبّ وودّ لا يتأثران بمرور الزمان ولا بتغيّر الأحوال ، فيوسف عزيز مصر أمام أبيه هو يوسف الطفل الذي يقصّ رؤياه على أبيه . وفارق بين يوسف في ذلك وبين إخوته الذين شابت عاطفتهم نحو أبيهم شوائب المادة فلم يروا فيه سوي أب فقالوا : . . . يا أبانا استغفر لنا . . . " وبذلك فإننا مع يوسف نكاد نري عاطفة البنوة شاخصة محسوسة . 2 - ونلمس ذلك في الفجوة بين حديث الابن مع أبيه وتآمر الإخوة التي تحدثها " لقد " في قوله تعالي : " لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ . . " فبالإضافة إلى معناها اللغوي الذي يمنحه التعبير من تحقيق وتأكيد لما يليها من أحداث تهيّئ الذهن إلى أن هناك تغيرا في العواطف البشرية وانتقالا من الحبّ الأبوي الخالص إلى غيرة الإخوة وتحاسدهم المتمثلين في تآمرهم علي يوسف ، وتومئ إلى أن هناك مشهدا في القصة خطيرا يوشك أن تبدأ أحداثه 53 3 - ونلمس ذلك في قوله تعالى : " قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ . . . " فإسناد القول إلى قائل من الإخوة بدلا من إسناده إلى واحد منهم أو نحو ذلك ، يومئ إلى أن هذا القول كان في أثناء نقاش ، وأخذ ورد بين الإخوة فيما يصنعونه للتخلّص من يوسف ، فهو قول مسبوق ، بأقوال ، صدر من بعض القائلين .